عين القضاة
23
شرح كلمات بابا طاهر العريان
والمراد : أنّ الحقّ تعالى جلّت ذاته عن الإدراك بالطرق المذكورة ؛ فإنّ الخبر قاصر عن العيان ، وكذلك الذّكر عن المذكور ، والوهم عن الموهوم ، والعادة عن نفس الأمر ، فإنّ المعروف تعالى قدسه لا يتكرّر في التجلّي ؛ لسعة حضرته . قال : ( العلم اختبار ، والحقيقة اختيار ، والمجاهدة افتقار ) . أقول : الاختبار الامتحان ، وهو من اللّه سبحانه لإفادة التمييز ، لا لاستفادة العلم ؛ كالممتحن للذهب المغشوش ، والعالم بكمية الذهب والغش لا يمتحنه ؛ لاستفادة العلم بكميّتهما ، بل للتمييز بينهما . والنشأة الإنسانية - لاشتمالها على الروح العلوية الطيّبة ، والطبيعة السفلية الخبيثة - تحتاج في تمييز خبيثه من الطيّب إلى امتحان الذهب بالنار ، كذلك امتحان الآدمي بنار العلم المستفاد من نوره ؛ فإنّ للنور الذاتي نارا عارضة ، كما أنّ للنار الذاتية نورا عارضا ، ومثال النار العارضة للنور الذاتي حرارة نور الشمس ، ومثال النور العارض للنار الذاتية ضوء النار . فاختبار اللّه الآدمي بنار العلم ، أن يميّز صفاء روحانيّته عن كدورة جسمانيّته ، وطيب سريرته عن خبث طبيعته ، ليس إلّا العمل بمقتضى العلم . ويتّجه أن يقال : طينة الآدمي مختلفة في الطهارة والخبث ، فمن طينة لم يمسّها قدم إبليس حين داس الأرض بقدميه ، ومنها فطرة الأنبياء والأولياء ، ومن طينة مسّها قدمه ، ومنها فطرة الكفار والعصاة ، وتظهر الطهارة والخبث بقبول العلم وردّه ، فمن قبله وعمل به فطينته طاهرة ، وإلّا فخبيثة . وقوله : ( والحقيقة اختيار ) ؛ أي المشاهدة اصطفاء من اللّه ، يصطفي بها من يشاء من عباده ، فالحقيقة نعمة خاصّة يختار لها خواصّ عباده ، والعلم نعمة عامّة يختبر بها جميع المؤمنين . وقوله : ( المجاهدة افتقار ) ؛ أي جهاد النفس والشيطان سبب افتقار العبد إلى مولاه ، وعياذه بربّه من شرّهما ؛ لأنه لا يقدر على دفعهما إلّا بالاقتدار الإلهيّ ، والحفظ الربّاني ، وقول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وصحبه وسلّم في